الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخولصفحتنا على الفايسبوكدليل الشروق الجزائري



شاطر | 
 

 مناهج اللسانيات الحديثة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
hassan idrissi
المراقب العام
المراقب العام
avatar

آخر مواضيع العضو :
زفـــــــرات
وعد التاريخ
من الزائر؟

اسم متصفحك : فيرفوكس
الصفة : مراقب عام - كاتب المنتدى
الهواية : الكتابة
الدولة : المغرب
أوسمة العضو : الكاتب المميز
ذكر عدد المساهمات : 288
نقاط العضو : 795
العمر : 29
المهنة : أستاذ

مُساهمةموضوع: مناهج اللسانيات الحديثة   السبت 20 أغسطس 2011 - 12:13

بقلم: ذ. حسن إدريسي
أرفود في: 20/08/2011



مناهج اللسانيات الحديثة


لا يمكننا الحديث عن علم قائم بذاته بدون منهج يفصح عنه ويجلي صورته .هذا لأن العــلوم لا تأخذ مصداقيتها إلا من تماسك مناهجها، ومن قدرة هذه المناهج على استخـلاص المعارف وتقنين الأنساق المنتجة لها . إن مسألة المنهج هي عماد البحث وأساسه في كل المجــالات المعرفية والعلمية ، واختيار المنهج يرتبط أولا وأخيرا بطبيعة الموضوع محل البحث. فإذا كان موضوع البحث مثلا يحتاج إلى تجميع المعلومات ثم المقارنة بينها والعمل على تفسيرها وتحليلها لأجل الوصول إلى نتائج مقبولة، فهـذا يتطلب اعتماد المنهج الوصفي. وإذا كان الموضوع محل الدراسة يحتاج إلى دراسة النصوص من الداخـل لفك رموزها واستقرائها، تعتمد خطوات المنهج البنيوي ، وإذا كان الموضوع يتطلب العودة إلى الوثائق القديمة لأجل الإفصاح والبيان عنه، فهذا يتطلب الاستناد إلى المنهجية المتبعة في المنهج التاريخي .
واختيار المنهج حسب الدكتور أحمد أوزي ليس متروكا للباحث وإنما يتم هذا الاختيار على أساس موافقته لموضوع البحث ( ) . وقد يستند الباحث على أكثر من منهج في تحليل ظاهرة من الظواهر كما هو الحال في العلوم الإنسانية .ونؤكد على أن لكل منهج أدوات بحثية يستخدمها في التحليل أو المقابلة أو التفسير ... وكلما تعددت الأدوات البحثية كلما كانت النتائج المحصل عليها فعالة .وهكذا استحق المنهج أن يعرف بأنه " الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد الهامة التي تهيمن على سير العمل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة "( ). وربما هو ما جعل الدكتور فريد الأنصاري يعتبره :" نسق من القواعد والضوابط التي تركب البحث العلمي وتنظمه ". ( )
ومنه فالمنهج المنهج هو مجموعة العمليات العقلية الاستدلالية تستخدم لحل مشكلة العلم وبناء العلم نفسه في مرحلة من تاريخه.
ونشير هنا إلى أنه قد اختلف في تصنيف المناهج بين الدارسين وذلك حسب الحقول المعرفية التي درست فيها . وكذلك بسبب كون بعض الدارسين قد نظروا إلى بعض المناهج على أنها أساسية نموذجية واعتبروا أخرى جزئية متفرعة عن الأولى ،مما قلص من أهميتها مقارنة مع الرئيسية . فقد اقترح فريد الأنصاري أربعة مناهج للبحث في مجال العلوم الشرعية ، مراعيا في ذلك طبيعة الدراسات الإسلامية، وخصوصياتها وهي : المنهج الوصفي والمنهج الحواري والمنهج التوفيقي والمنهج التحليلي. ( )
وحينما كانت الدراسات اللسانية حقلا من الحقول المعرفية المندرجة ضمن ما يسمى بالعلوم الإنسانية، فهي لتفصح في نظرتها عن هذا الأمر وتؤكده. فاللسانيات لم تتعدد مذهبا ونظرية إلا لأنها تعـددت منهجا . وهو ما سنحاول توضيحه من خلال هذه الدراسة بحول الله وقوته . إلا أنــه سنبــدأ من اللسانيات التاريخية وذلك استجابة لمطلب التأصيل الذي يستدعي الانطلاق من الأسس الأولى التي تنبني عليها المعرفة . فكان علينا بذلك أن ننطلق من المناهج المعتمدة في اللسانيات التاريخية الــتي مهدت الطريق للسانيات الحديثة ، وجعلتها علما قائما بذاته على الصورة التي هي عليها اليوم . فما هي إذا المناهج في كل من اللسانيات التاريخية والحديثة على حد سواء؟.
1- مناهج اللسانيات التاريخية: historical linguistics
تطلق تسمية اللسانيات التاريخية على الدراسات اللغوية التي ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي ، وتختلف الدراسات التاريخية على الدراسات النحوية التقليدية القديمة ، وكذلك عن اللسانيات الحديثة التي ظهرت مع مطلع القرن العشرين من حيث المنهج والتصور.( )وتعمل هذه اللسانيات على دراسة اللغة الواحدة في تطورها عبر المراحل المختلفة منذ نشأتها إلى يوم الدراسة قصد تبين تاريخها ، مع رصد ما وقع فيها من تغيرات صوتية ومعجمية ونحوية ودلالية ، وبيان الأسباب الكامنة وراء ذلك.وقد سماها سوسير باللسانيات التطورية (linguistique diachronique ) . و الدراسات التاريخية للغة كانت مرفوضة وغير مرغوب فيها بتاتا عند اللسانيين. إذ لم يتقبلوها إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي . وذلك راجع إلى كون التاريخ في نظرهم لا يدرس الأشياء والظواهر اللغوية ، وإنما يدرس حياة الأمم السالفة ( ). وتتطلب هذه اللسانيات جهدا أكبر إذ يتعين على اللساني معرفة اللغة الأم، وجميع اللغات المتفرعة عنها قديمة كانت أم حديثة .إنه حسب ماريو باي عمل شبيه بعمل الشرطة السرية المتمثل في التقاط المفاتيح وجمع الجزئيات وربط بعضها ببعض.( ) أما فيما يخص المناهج المعتمدة في هذه اللسانيات، فقد أقصرها معظم الباحثين على منهجين هما : المنهج المقارن ، ومنهج إعادة التركيب اللغوي (منهج إعادة التركيب الداخلي ). ورأى بعضهم أنها ثلاث مناهج ، ومن هؤلاء ميلوسكي الذي أضاف إلى المنهجين السابقين المنهج الفيلولوجي، يقول : " إن اللسانيات التاريخية استعملت ثلات مناهج لاعادة بناء اللغات ، المنهج الفيلولوجي ، و منهج إعادة التركيب الداخلي ، والمنهج المقارن ( ).
وفيما يلي تفصيلها:

1_1_ المنهج المقارن : the comparalive méthode
ويهدف إلى الكشف عن القرابة الموجودة بين اللغات وتحديد الأصل الذي تنحدر منه ، أو كـما قال أحمد مومن : يكشف " عن القرابة الموجودة بين اللغات ومعرفة نسبها الجيني بصورة دقيـــقة للغاية."( ) واللساني المتوسل بهذا المنهج يأخذ عينات لغوية من اللغة موضع البحث ثم يقارنها بلــغة أخرى ليتوصل بذلك إلى العلاقة والصلة التي تجمع بينهما . فإذا وجد العينات اللغوية المأخــوذة من اللغتين متماثلتين بشكل جلي ، يتأكد حينها أن اللغتين تنحدران من أصل واحد ؛ أي أنهما تنتميان إلى لغة أم واحدة .
وفي هذه المرحلة بالذات من الضروري توخي الحيطة و الحذر من مسألة ما يسمى بالاقتراض اللغـوي إذ لا يسمح للغوي مثلا أن يقيم مقارنة بين كلمة internent في اللغة الفرنسية وكلــــمة " إنترنيت " في اللغة العربية فيحكم عليهما بناء على التشابه القائم بينهــما بالانتماء إلى أصل واحد أو لغة أم واحدة . لأن هذا التشابه راجع إلى قضية الاقتراض ، إذ ثم اقتــراض كلمة Internet من اللغة الفرنسية من طرف اللغة العربية بالشكل الذي هي عليه من دون أدنى تعديل لانعدام وجود مقابل لها في اللغة العربية .
إن اللساني في هذا الصدد يقوم بمقارنة صيغ لغوية للغتين أو أكثر ويحدد العلاقة التي تجمع بينهما . وبعد أن ينتهي من جمع المعطيات الخاصة بتلك الصيغ اللغوية يحاول أن يفترض صيغة أولية لها ويتخذها كصيغة أصل تفرعت عنها مختلف الصيغ الأخرى ، وقد تكون هذه الصيغة الأولية مستنبطة من لغة غير موجودة على أرض الواقع ؛كاللغة الهندوأوروبية مثلا. ( ) ولتوضيح هذه المسألة نقدم المثال الذي قدمه لاهمان (Lehmann) في هذا الصدد حيث قال : " إذا أردنا أن نعرف صيغة فعل الكينونة (tobe) في الطراز البدئي الهندوأوروبي ، فيمكن أن نقارنها في بعض اللغات كالسنسكريتية asti ، واللثوانية esti، والإغريقية ésti، وبعد هذا يمكن التوصل إلى وضع الصيغة الأصلية التالية : ésti"( ). وحتى يصل اللساني المقارن إلى الصيغة الأصلية يتوجب عليه الانطلاق من أمثلة وصيغ عديدة كي تتم عملية المقارنة بكيفية منطقية وسليمة، وللتوضيح أكثر نقدم جدولا يرصد أوجه الاختلاف والإتلاف بين اللغة العربية وبعض اللغات الأوروبية الأخرى كالفرنسية والإيطالية والإسبانية ، والإنجليزية والألمانية :
الألمانية الإنجليزية الإسبانية الإيطالية الفرنسية العربية
Samstag saturday sabado sabato samedi السبت
Sanntag sunday doningo dommenica dimanche الأحد
Montag monday tunes lunedi lundi الاثنين
Dientag tuesday martes martedi mardi الثلاثاء
Mittwosh wednesday nircoles mercoledi mercredi الأربعاء
Donnerstag thursday jueves giouedi jeudi الخميس
Freitag friday viemes venerdi vendredi الجمعة

جدول يبين الفرق بين اللغة العربية وبعض اللغات الأوروبية ( )
إن مجرد ملاحظة بسيطة في هذا الجدول من شأنها أن تبين لنا أن اللغة العربية تختلف بشكل كبير عن باقي اللغات الأخرى، وذلك راجع إلى كونها تنحدر من الأصل السامي ( ) في حين أن باقي اللـغات تعود إلى الأصل الهندوأوروبي ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ثمة تماثل واضح بين اللغة الإنجــليزية واللغة الألمانية أكثر مما هو موجود بينهما وبين اللغة الإسبانية والإيطالية والفرنسية ، ذلك أنهما تعودان إلى أصل واحد ، هو الأصل الجرماني، في حين أن الإسبانية والإيطالية والفرنسية تنحدر من الفــرع الرومانسي .
1_2_منهج إعادة التركيب للغوي أو الداخلي :
themethod of internal reconstruction
إن هذا المنهج حسب أحمد مومن يهدف إلى " إعادة البناء دون اللجوء إلى المقارنة. إذ أنه يستعمل عندما تتعذر المقارنة بسبب انعدام اللغات المدونة .ويركز على العناصر المختلفة داخل اللغة الواحـدة ، ويرمي إلى تمييز العناصر اللغوية العتيقة أو المهجورة من العناصر اللغوية الجديدة "( ) وفي هـذا تأكيد على أن هذا المنهج يرمي إلى تحديد الاختلافات الداخلية للغة من اللغات بغية تمييز العناصر القـديمة من الحديثة . إنه يعيد بناء اللغات بعيدا عن المقارنة لأنها غير مدونة . وهو حسب ميلوسكي يتخـذ ثلاث أشكال :
أ- يستخلص الاستنتاجات على أساس التغيرات الفيلولوجية .
ب_ إنه في حالة كون صيغتان تمتلكان نفس الدلالة ، على سبيل المثال ؛ إحداهما مطابقة للنـــظام المورفولوجي العام ، والأخرى استثنائية ، ينظر إلى الصيغة الاستثنائية منها على أنها الأقدم لأنها تنتمي إلى نظام لغوي قديم وهو ما أطلق عليه ميلوسكي منهج الاستثنائية.
ج_ وفي شكله الثالث يتناول الصيغ السائرة في طريق الانقراض ، ويعتبرها الأقدم إذا وجدت صحبة أخرى في طريق التطور . وفي هذه النقطة قدم لنا مثالا مؤداه (thou) و(you)أولهما سائرة في طريق الانقراض ، والأخرى في طريق الحيوية ، ومنه فالصيغة الأولى (thou) هي الأقدم. ( )
وعلى العموم فهذا المنهج قد قدم نتائج جيدة ومقنعة للغاية ، ما يبرر ذلك ما قدمه من فرضيات تأكدت من طرف الحفريات الحديثة فيما بعد.( )
1--3المنهج الفيلولوجي :the philological method
يعمل هذا المنهج على مقارنة النصوص المكتوبة داخل لغة من اللغات ، وذلك عبر مراحل زمـنية مختلفة، فهو يهدف إلى : " مقارنة النصوص المكتوبة داخل اللغة الواحدة عبر مراحلها التـــاريخية المختـلفة ."( ) وفي هذا المنهج يعمل اللساني على مقارنة العناصر اللغوية التي تقوم بنفس الوظـيفة اللغوية في جميع مراحل هذه اللغة ( قديمة ، متوسطة ،أم حديثة )، ويسجل بدقة كل التغيرات الواقعة بطريقة تدريجية .ونمثل لذلك بمثال من اللغة البولونية ، مفاده أن مقارنة تصريف الأسماء في نصـوص هذه اللغة في القرن الرابع عشر الميلادي ، والخامس عشر الميلادي ، مكنت من إرساء التطــور العام للأشكال البولونية خلال القرون الستة الأخيرة. ( )
وخلاصة الكلام فعلى الرغم من أننا قد تعهدنا بالحديث عن مناهج اللسانيات الحديثة فمسألة التأصيل فرضت علينا الرجوع إلى هذه المناهج لأنه لولاها لما قامت للسانيات الحديثة قائمة أصــلا، وعموما فهي مناهج علمية أثبتت جدارتها في المجال اللساني . إذ لقيت قبولا حتى من لدن اللسانيات الحديثة لأنها تنسجم مع العلوم التجريبية .
2_مناهج اللسانيات الحديثة :
يطلق لفظ اللسانيات الحديثة على المدارس اللسانية الحديثة التي ظهرت في أوروبا مع بداية القرن العشرين ، منذ فجر البنيوية مع فيردنان دي سوسير المعروفة بمدرسة جونيف والتي وضعت قطيعة مـع اللسانيات التاريخية .والمدرسة الوظيفية أو ما يسمى بمدرسة براغ مع ياكبصون وأندري مارتنيه. فقد عملت هذه المدرسة على تطوير أعمال سوسير البنيوية. وكان من اتجاهات هذه المدرسة نـــظام التقابلات الصواتية لمؤسس علم الصواتة الأمريكي نيكولا تروبوتسكوي ." وتعتبر نظرية المــلامح المميزة من إنتاجاتها البارزة.
وبعدها المدرسة النسقية المعروفة بمدرسة كوبنهاغن أو مدرسة هيلمسليف ثم المدرسة الاجتمـاعية أو السياقية بلندن ، وتضم اللسانيات الحديثة كذلك المدارس التي ظهرت في أمريكا كمدرســة سابير والمدرسة التوزيعية مع بلومفيلد ثم المدرسة التوليدية التحويلية مع تشومسكي وتلاميذته كاتز وفودور وبوستال ...إلخ وتجدر الإشارة إلى أن نشوء هذه المدارس قد شكل ثورة على سابقتها التاريخية. ويمكن التمييز بين اتجاهين في اللسانيات يختلفان من حيث المنهج ، الأول : مادي مرتبط بالمنـــهج التجريبي. والثاني عقلاني تبنى المنهج العقلاني ينضاف إليهما اتجاه ثالث حاول التوفيق بين المنهــجين معا اصطلح عليه الاتجاه التوفيقي ، وهو ما سنحاول تفصيله.
2_1_ الاتجاه المادي والمنهج التجريبي :
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أنه ما من سبيل لإدراك حقائق المعرفة سوى التجربة المرتبطة ارتباطا وثيقا بالملاحظة ، واعتقدوا أن العقل البشري ينطبع بشكل مباشر بآثار الأحاسيس والتجربة وهو ما يسمى بمسلمة العقل البعدي postèrioriste ، وهو ما جعل هذا المنهج يتأسس على التجربة ولا شيء غير التجربة، وهذا ما أشار إليه مارابو في قاموسه" الفلسفة " حيث قال : "إن التجربية بوصفها منهجا ، تقتضي إتباع تعاليم التجربة من غير أفكار مسبقة ولا فرضيات معدة سلفا ." ( ) وفي تعريفه هذا رفض للموقف العقلاني الذي يحكم على الظواهر بكيفية مسبقة من خلال وضع فرضيات تكون بمثابة أفكار مسبقة ثم يعمل على اثباتها فيما بعد . وفي ارتباط التجريبية بالتجربية لأجل الكشف عن اواقع يقول فولكيه في قاموسه اللغة الفلسفية: " التجربة هي المصدر الوحيد لما نستطيع أن نعرفه عن الواقع "( ) ومنه فللوصول إلى حقيقة المعارف كيفما كان نوعها من منظور تجربي يتعين التوسل بالتجربة الواقعية .ولما كانت اللسانيات إحدى هذه المعارف لزم الخوض فيها بإتباع تعاليم التجربة اللسانية ، وذلك لأن التجربة حدث في واقع تخبر عنه تجربة المتكلم والمتجسدة في ما يتلفظ به من كلام. وجدير بالإشارة إلى أن اللسانيات البنيوية قد وظفت الفلسفة التجريبية ، والوضعية المنطقية لرودولف كارناب، منطلقة بدالك من الواقع اللغوي لتصل إلى النظرية اللسانية فقد " اعتبرت الوضعية المنطقية السيميوطيقا فلسفة عامة للغة ، وقسمها كارناب إلى التركيب syntaxe الذي يدرس بناء الجمل ، وتنظيم الكلمات و السيمانتيك semantique أو الدلالة التي تدرس معاني الكلمات ، ثم البراغماتيك paragmatique الذي يدرس البناء والمعاني والأشخاص الذين يتحدثون هذه الكلمات "( ) وما دام اللسان حسب منذر عياشي حدث في واقع في تجربة فمن هو أولى بالإخبار عن هذا الحدث ، هل هو المتكلم صاحب الحدث ؟ ، أم هو اللساني مراقب هذا الحدث ؟ ، أم يستويان تعاملا وممارسة مع اللسان ؟.
والإجابة أن كل التساؤلات ذات صبغة تجريبية لأن اللسانيات تعتمد على التجربة سواء كانت لسانيات تاريخية أم بنيوية . فالبنيوية قد عملت في انتهاجها للمنهج التجريبي على إقصاء المتكلم ، وهمشه تماما لتولي اهتمامها في مقابل ذلك بالمعرفة اللسانية ، لأن ما يُهمها هو الحدث الكلامي المسموع والمنطوق وليس صاحب هذا الكلام من جهة . ولعل الذي دفع سوسير إلى القول بأن " اللسانيات هي دراسة اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها مع إقصاء قائلها كان تماشيا مع ما كان سائدا في القرن العشرين ، وهو محاولة الزيغ عن النص القرآني ."( ) وربما عن التراث اللغوي العربي بصفة عامة .ومن جهة أخرى فالطريقة التي يتعامل بها كل من المتكلم واللساني مع اللسان لا يمكن أن تكون متشابهة ، لأن المتكلم يتكلم بطريقة عفوية من دون أن يعير الاهتمام إلى مراحل الحدث الكلامي .أو إلى الكيفية التي بها يؤدى هذا الكلام. في حين أن اللساني يستخدم الكلام مع مراعاة مكوناته ومراقبة أصوله،ويعتمد في ذلك على التجربة ليذوق و يلامس واقعه اللساني ، والمراقبة بالنسبة للخبير اللساني هي الأداة التجريبية التي تتم بها عملية اختبار الحدث الكلامي من أجل بناء وتكوين المعرفة اللسانية . ( ) إن اعتماد المنهج التجريبي يقتضي الاتكاء على التجربة ، وتجنب الأفكار والفرضيات المعدة سابقا ، لأنها عبارة عن سديم وعماء ضبابي بعيدة كل البعد عن الواقع . وفي ذلك زيغ عن النحو التقليدي ، لأنه يشكل منظومة قواعدية معدة سلفا ، إنه بمثابة حدث سابق عن الحدث الكلامي هذه إذن قطيعة إبستيمولوجية مع النحو التقليدي من حيث المعرفة والمنهج .
فإذا كانت مختلف العلوم التجريبية تعتمد التجربة فهذا لا يسعفنا في مجال اللسانيات لهذا تنوب عنها المراقبة في حقل الممارسة ، لأن التجربة اللسانية في واقع حدوثها تختلف عن باقي المواد الأخرى ، فتكرار التجربة في مختلف الحقول ( غير اللسانيات) يؤدي دائما إلى نفس النتائج دون أن يؤثر ذلك على تلك المادة أو على واقعها المعرفي. أما تكرار التجربة في الحقل اللغوي فسيؤثر بلا شك على المادة اللغوية وعلى واقعها المعرفي، مما يجعلها غير مطابقة لسابقتها بل قد تختلف عنها بصورة واضحة ، وحتى تكرار المراقبة اللسانية لأكثر من مرة يعد أمرا غير ميسور وغير متاح في كل الظروف، وهذا الإشكال حسب الأستاذ منذر عياشي " عقبة كانت اللسانيات التاريخية والقواعد المقارنة قد واجهتها أثناء مراقبتها للحدث اللساني في أزمنة تاريخية غابرة ، وبين لغات تاريخية قديمة ومختلفة، ولذا فقد جعلت الوثيقة ، خلاصا من المأزق ، تنوب عن المراقبة ، وتحل محلها ، تماما كما نابت المراقبة عن التجربة وحلت محلها "( ) ويتبع المنهج التجريبي في اللسانيات الخطوات المنهجية والعلمية الآتية :
 يسعى اللساني إلى جمع الوقائع اللغوية من وثائق وكلمات وعبارات، ثم يعمل على تصنيفها وتبويبها كي يضعها في المدونة ، والمدونة هي :" مفهوما مركزيا في كل بحث تجريبي. "( )
 إن اللساني يعتمد على الاستقراء ؛ وهو الانطلاق من الخاص إلى العام ، أو من الجــــزء إلى الكــل ، أو من المحسوس إلى المجرد ( ) من أجل وضع المدونات .
وإشارة في نقطة أخيرة نلفت النظر إلى أن المنهج التجريبي في اللسانيات قد تم استخدامه من طرف اللسانيات البنيوية واللسانيات التاريخية ، وحتى لا يظن أنهما متشابهتان لاعتمادهما نفس المنهج ، لابد من توضيح الفرق بينهما ، ويتمثل في أن اللسانيات التاريخية والمقارنة كانتا تنظر في الوقائع اللغوية بوصفها مستقلة عن بعضها البعض ، وتنظر في تطورها عبر الزمن وهو ما جعلها تطورية تجريبية ؛ وكونها تطورية معناه أنها تتتبع الوقائع اللغوية سواء كانت ألفاظا أو أصواتا أو دلالات بطريقة تطورية؛ أي أنها تدرس تطورها عبر التاريخ ، وهذا ما دفع سوسير إلى أن يعتبرها دياكرونية تعاقبية فكان بذلك محور ظهورها وتصنيفها محورا استبداليا .أما اللسانيات البنيوية فتنظر إلى الوقائع اللغوية بوصفها مستقلة عن بعضها البعض ، ولا تدرسها في تطورها عبر التاريخ فكان بحثها يقتصر على البحث في العلاقات التي كانت تجع بين أجزاء اللغة مما جعلها سانكرونية تجريبية أي "آنية " فكان محور ظهورها تركيبيا .
[/size][center][b]

[/color]
هوامش:
)أحمد أوزو(2008) :تحليل المضمون ومنهجية البحث .مطبعة النجاح الجديدة ط2.ص:98.
2)عبد الرحمان بدوي . مناهج البحث العلمي .ص:5.
3) د. فريد الأنصاري (1417هـ/ 1997م ): أبجدية البحث في العلوم الشرعية . منشورات الفرقان .ط:1. الدار البيضاء .ص:41.
4) فريد الانصاري :أبجدية البحث في العلوم الشرعية ، ص:65.
5) أحمد مومن (2005) : اللسانيات : النشأة والتطور ، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر‘ ص:62.
6) نفسه ، ص: 63_64.
7) مير لوباي ، (1987) : أسس علم اللغة ، تر : د، أحمد مختار عمر ، القاهرة ، عالم الكتب ،ص:169.
8) أحمد مومن(2005):اللسانيات :النشأة والتطور ، ص: 69.
9) أحمد مومن(2005):اللسانيات : النشأة واللتطور ، ص: 70.
10) المرجع والصفحة نفسها.
11) أحمد مومن(2005) : اللسانيات النشأة والتطور ، ص:71
12) نفسه.
13) اللغة السامية نسبة إلى سام ابن نوح ، وتنقسم إلى سامية شرقية وغربية ، وتنقسم الغربية بدورها إلى غربية شمالية ، وغربية جنوبية ، فأما الشرقية فتتمثل في الأكادية المكتوبة بالخط المسماري ، وأما الغربية الشمالية فتتمثل في الكنعانية والآرامية ، وتنقسم الكنعانية إلى كنعانية شمالية وأخرى جنوبية
14) أحمد مومن(2005):اللسانيات النشأة والتطور،ص ،ص:72_73 .
15) أحمد مومن (2005):اللسانيات النشأة والتطور، ص:73 .
16) نفسه.
17 ) نفسه، ص : 74.
18) Tadeuzs mileuski : the hague ,introdiction to the study of language ,p:102.
.
(19 Marabout( 1972): la philosophie ,tom 2, paris .p :182
(20Paul foulquè,(1992) :dictionnaire de lalange philosophique. Ed.puf, paris,p,257.
21) زكرياء إبراهيم: دراسات في الفلسفة المعاصرة ، دار مصر للطباعة ، ج:1، ص:194_299.
22) الأستاذ طلحة عبد المجيد: في إحدى المحاضرات التي ألقاها على طلبة الفصل الخامس،مسل الدراسات العربية بالكلية المتعددة التخصصات .
23) منذر عياشي : مناهج اللسانيات ومذاهبها في الدراسات الحديثة. http://www.atida.org:06/06/07, 21:23
24) منذر عياشي مناهج اللسانيات ومذاهبها في الدراسات الحديثة 06/06/07, 21:23 :http://www.atida.org
25) نفسه.
26) إحسان ، محمد الحسن : الأسس العلمية لمناهج البحث الاجتماعي ، دار الطبع بيروت ،ص: 160.
27)paul foulque, dictionnaire de la langue philosophique, p.631.


عدل سابقا من قبل hassan idrissi في السبت 20 أغسطس 2011 - 16:24 عدل 4 مرات (السبب : عدم التنظيم)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.zafarrat.blogspot.com/
IMADZZ
الادارة العامة
الادارة العامة
avatar

آخر مواضيع العضو :
موقع تبادل الزوار + تبادل الفتحات الاجبارية مع المواقع
قصة ( أمل ) التائبة مع الشيخ غرم البيشي ( مؤثرة جدا )
بين الزاكي والطاوسي
فلاش إخبار ي لنيابة تارودانت حول الزيارات الميدانية للنائب الإقليمي للمؤسسات التعليمية
Valeurs du présent dans l’autobiographie
نعمية النسيان - النسيان
ساماراس لميركل: اليونان في حاجة لمزيد من الوقت لا المال

اسم متصفحك : فيرفوكس
الصفة : الادارة العليا للمنتدى - مؤسس الموقع
الهواية : المطاعة
الدولة : المغرب
أوسمة العضو : الاداري المميز
ذكر عدد المساهمات : 1868
نقاط العضو : 4609
العمر : 20
المهنة : التعليم

مُساهمةموضوع: رد: مناهج اللسانيات الحديثة   السبت 20 أغسطس 2011 - 12:30

:رائع:






منتدى الشروق الجزائري

مدونة الشروق الجزائري

دليل الشروق الجزائري



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forum.dzaire.info
hassan idrissi
المراقب العام
المراقب العام
avatar

آخر مواضيع العضو :
زفـــــــرات
وعد التاريخ
من الزائر؟

اسم متصفحك : فيرفوكس
الصفة : مراقب عام - كاتب المنتدى
الهواية : الكتابة
الدولة : المغرب
أوسمة العضو : الكاتب المميز
ذكر عدد المساهمات : 288
نقاط العضو : 795
العمر : 29
المهنة : أستاذ

مُساهمةموضوع: مناهج اللسانيات الحديثة   السبت 20 أغسطس 2011 - 12:53

شكرا






منتدى الشروق الجزائري
www.chourok.net/vb

مدونة الشروق الجزائري
www.chourok.net

دليل الشروق الجزائري
www.chourok.net/dalil
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.zafarrat.blogspot.com/
 
مناهج اللسانيات الحديثة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الأستاذ الأفضل التعليمية المغربية :: المنظومة التعليمية :: التعليم العالي-
انتقل الى:  
E3LAN CHOROUK
منتدى الشروق الجزائري www.chourok.net/vb